تطور القانون الإداري في بريطانيا باتجاه النموذج الفرنسي
لقد تناولت هذه الدراسة أهم التطورات التي شهدها القانون الإداري في بريطانيا في العقود الأخيرة والتي دفعت به باتجاه النموذج الفرنسي، ذلك النموذج الذي يقوم على وجود قانون إداري مستقل ومتميز عن القانون الخاص وعلى وجود محاكم إدارية تختص دون غيرها في الفصل في المنازعات الإدارية. فعلى الصعيد التشريعي صدرت العديد من التشريعات في السنوات الأخيرة والتي كانت تعكس دوما رغبة المشرع في خلق ثقافة قانونية جديدة تقوم على التمييز ما بين القانون العام والقانون الخاص في سبيل تطوير القانون العام وتطوير آلية فض المنازعات التي تكون الإدارة طرفا فيها. وعلى الصعيدين الفقهي والقضائي بينت هذه الدراسة كيف أن الأصوات قد تعالت في السنوات الأخيرة لتكريس هذا النهج الجديد، حيث أدرك العديد من القضاة وفقهاء القانون العام في بريطانيا أن التجربة الفرنسية في مجال القانون الإداري والتي وصفها الفقية الانجليزي Dicey يوما من الأيام بأنها خروج على مبدأ سيادة القانون هي اليوم تجربة رائدة تسعى غالبية دول العالم إلى الأخذ بها لما تنطوي عليه من آلية ذاتية لتطوير القانون الإداري ولما أرسته هذه التجربة من مبادئ ونظريات ساهمت في حماية حقوق الأفراد وحرياتهم وراعت في الوقت ذاته خصوصية الإدارة وخصوصية مسؤولياتها وعلى نحو ربما يعجز القضاء العادي عن القيام به. لقد بينت هذه الدراسة أن القانون الإداري في بريطانيا يمر الآن في مراحل تشبه إلى حد بعيد تلك المراحل التي مر بها القانون الإداري في فرنسا والتي سبقت اكتمال وتبلور التجربة الفرنسية في هذا المجال. فقد برزت في السنوات الأخيرة مسألة التفرقة بين القانونين العام والخاص واستقر الأمر على أن منازعات القانون العام لا يجوز أن يفصل فيها وفقا للقانون الخاص ووفقا لإجراءاته، بل لا بد وأن يسلك المتضرر من تصرف الإدارة طريق دعوى "المراجعة القضائية" وإجراءاتها ولا بد من توافر شروط إقامة هذه الدعوى والتي أصبحت تتفق إلي حد بعيد مع شروط إقامة دعوى الإلغاء والتعويض في القانون الفرنسي. وفيما يتعلق بالجهة التي تفصل في المنازعات الإدارية فقد بينت هذه الدراسة أنه ليس هناك حتى الآن محاكم إدارية في بريطانيا مستقله ومنفصله عن القضاء العادي، وبمعنى آخر فانه وبالرغم من أن هناك ما يمكن تسميته اليوم بازدواجية القانون وازدواجية الإجراءات إلا انه ليس هناك ازدواجية في هيئات القضاء بالمعنى القائم في القانون الفرنسي. صحيح أنه يتوجب إقامة دعوى "المراجعة القضائية" أمام دائرة متخصصة في محكمة العدل العليا تسمى اليوم - وفقا لقواعد الإجراءات المدنية الجديدة - "المحكمة الإدارية" إلا أن محكمة العدل العليا في نهاية الامر تنظر في الأنواع الأخرى من المنازعات القانونية وليس فقط في المنازعات الإدارية وذلك من خلال دوائرها الاخرى التي أشارت اليها هذه الدراسة. وعلى كل حال وعلى ضوء التطورات التشريعية والفقهية والقضائية التي أشارت اليها هذه الدراسة وأمام حقيقة التفرقة والتمييز ما بين مسائل القانون العام ومسائل القانون الخاص فان الباحث يتوقع أن تشهد بريطانيا في زمن ليس ببعيد ولادة قضاء إداري مستقل ومتميز عن القضاء العادي.
سنة النشـــر
2005