20-09-2026
البحث العلمي في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة آل البيت: مسار يتشكل وتأثير يتسع

البحث العلمي في كلية الآداب والعلوم الإنسانية ليس ترفًا أكاديميًا أو نشاطًا يُقاس بعدد الأبحاث المنشورة. فالكليات الإنسانية، في جوهر رسالتها، لا تكتفي بإنتاج المعرفة، بل تسهم في صياغة الأسئلة التي يفكر بها المجتمع بلغته وتاريخه ومكانه وذاكرته وهويته ومستقبله. وعليه، فإن قراءة المنجز البحثي في كلية الآداب والعلوم الإنسانية في جامعة آل البيت في العام الجامعي 2025–2026 لا ينبغي أن تتوقف عند الحصيلة الرقمية، على أهمية الجانب الكمي، لأن القيمة الحقيقية تكمن في طبيعة المعرفة المنتجة، وتنوع مجالاتها، ومستوى حضورها في البحث العلمي، وقدرتها على بناء تراكم بحثي يمكن أن يتحول إلى مدرسة علمية مؤثرة.
وتستند هذه القراءة إلى تتبع المنجز البحثي الموثّق في حصاد الكلية للعام الجامعي 2025–2026، مع النظر إليه في سياقه خلال الأعوام الجامعية الثلاثة الأخيرة. وليس الهدف إعادة عرض ما ورد في التقارير السنوية، وإنما قراءة الاتجاهات التي تكشفها الحصيلة البحثية، وتتصل بطبيعة البحث، ومجالاته، وحضوره العلمي، وما يمكن أن تعنيه في المرحلة المقبلة.
تضع كلية الآداب والعلوم الإنسانية البحث العلمي في صميم رؤيتها ورسالتها. فهي تتطلع إلى التميز والريادة في برامجها الأكاديمية، والبحث العلمي، وخدمة المجتمع. وتسعى إلى إنتاج المعرفة ونشرها في مجالات اللغات، والآداب، والعلوم الإنسانية. كما تشجع التخصصات العلمية والدراسات البينية. وتسعى إلى بناء الشراكات مع المؤسسات العلمية. وعليه، فهنا يُنظر إلى البحث في الكلية على أنه أحد مكونات شخصيتها العلمية والأكاديمية؛ فالكلية التي تطمح إلى الريادة لا تجعل النشر غاية نهائية، لأن غايتها الأبعد أن يكون لها سؤالها العلمي، وأن يكون لها حضورها المعرفي، وأن يكون لها إسهامها في تطوير تخصصاتها.
وعند قراءة الحصيلة البحثية في سياقها خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة، تبدو الحركة البحثية في الكلية أكثر وضوحًا؛ فقد اتسعت مجالاتها، وتنوعت موضوعاتها، وتعزز حضورها في فضاءات النشر العلمي. ولا يعني ذلك أن المسار اكتمل، وأن اتجاهاته أصبحت نهائية، إلا أنه يشير إلى تراكم بحثي يسمح بطرح سؤال أعمق من سؤال حجم الإنتاج: ماذا دلالة هذه الحصيلة عن تطور البحث العلمي في الكلية؟
في العام الجامعي 2025–2026، بلغ مجموع المنجزات البحثية، التي قدمها أعضاء الهيئة التدريسية في الكلية وعددهم خمسون، 78 منجزًا، منها 70 بحثًا منشورًا في دوريات علمية ومحكمة ومصنفة، و8 كتب علمية رصينة. وبلغ عدد الأعمال المنشورة والمقبولة في دوريات مدرجة في قاعدة بيانات سكوبس عشرين بحثًا، منها 17 بحثًا منشورًا، وثلاثة أبحاث مقبولة للنشر، كما ظهرت بحوث منشورة في دوريات مصنفة ضمن الربع الأول (Q1). وتكمن أهمية هذه الأرقام في دلالتها، فهي تشير إلى حضور متنامٍ في فضاء النشر العلمي المفهرس دوليًا، وهذا الحضور يضع البحث أمام مجتمع علمي أوسع، ويضعه كذلك أمام معايير تحكيم ومنافسة أكثر اتساعًا. ومع ذلك، فهو لا يعني، في حد ذاته، اكتمال الحضور العلمي، فالنشر الدولي مدخل إلى الحضور، وليس غايته النهائية.
وتكشف الأعمال البحثية في العام الأخير عن تنوع واضح في الموضوعات. ففي التاريخ، تناولت بحوث قضايا في التاريخ الاقتصادي والاجتماعي، وتناولت موضوعات تتصل بمكة المكرمة والمدينة المنورة والقدس، وتناولت الصحة العامة والأسرة والأدوار الاجتماعية في سياقات تاريخية مختلفة. وهذا يدل على اتساع مجال البحث التاريخي؛ الذي لم يعد مقتصرا على السرد السياسي، بل أصبح أكثر اتصالًا بالإنسان والمجتمع والاقتصاد والصحة والمكان.
وفي الجغرافيا التطبيقية، يبدو التحول واضحًا في الموضوعات والأدوات. فقد حضرت نظم المعلومات الجغرافية، والاستشعار عن بعد، ودراسات النقل والسياحة البيئية والاستدامة والتغير المناخي والملاءمة المكانية والنمذجة المكانية. وظهرت تطبيقات تستفيد من تقنيات حديثة، من بينها الذكاء الاصطناعي. وهذا يدل على أن الجغرافيا أصبحت أداة لتحليل الظواهر المكانية، وفهم العلاقة بين الإنسان والبيئة والعمران والتنمية.
وفي اللغة العربية وآدابها، فقد ظل البحث فيها وفيًا لجذوره اللغوية والأدبية والبلاغية. وفي الوقت نفسه، اتسع انفتاحه على مجالات حديثة. وظهر ذلك في الأدب الرقمي، وفي الدراسات الدلالية والنصية، والسيميائيات، وقضايا الخطاب. وهذا يدل على أن تجدد البحث في العلوم الإنسانية لا يعني التخلي عن هويته، بل يعني القدرة على إعادة صياغة أسئلته وتطوير أدواته من داخل التخصص بالانفتاح على حقول أخرى.
وهنا تظهر قيمة مهمة في تجربة البحث في الكلية، وهي الجمع بين أصالة الموضوع وتطور الأداة. فالتراث يمكن أن يُدرس بأدوات معاصرة، واللغة يمكن أن تدخل إلى فضاء الأدب الرقمي، والتاريخ يمكن أن يُقرأ في ضوء أسئلة اقتصادية واجتماعية وصحية، والمكان يمكن أن يُفهم من خلال البيانات والنماذج والخوارزميات. وهذه ليست مجرد تحولات في الأدوات. إنها تحولات في طريقة طرح السؤال نفسه.
وتضم الكلية مجالات معرفية متجاورة في ظاهرها، لكنها تحمل إمكانات واسعة للتفاعل. فاللغة والأدب والتاريخ والجغرافيا التطبيقية والدراسات الإنسانية المساندة مثل تعليم اللغات والثقافات ليست بالضرورة حقولًا منفصلة، ويمكن أن تلتقي عند أسئلة تتجاوز الحدود التقليدية للتخصص؛ فالمدينة يمكن أن تُقرأ بوصفها فضاءً تاريخيًا وجغرافيًا واجتماعيًا وثقافيًا، والتراث يمكن أن يُدرَس في النص، كما يمكن أن يُدرَس في المكان والذاكرة، والتحول الرقمي يمكن أن يُقارب من خلال اللغة والثقافة والتعليم والمجتمع، والهوية يمكن أن تُقرأ في الخطاب والتاريخ والمكان، وقضايا البيئة والاستدامة تحمل أبعادًا تتجاوز تخصصًا واحدًا.
ولا يعني ذلك أن البينية أصبحت سمة مكتملة للبحث في الكلية، والأدق أن نقول: إن إمكاناتها بدأت تظهر، ويمكن أن تتحول هذه الإمكانات، في المرحلة المقبلة، إلى أحد مسارات القوة البحثية، فقيمة تعدد التخصصات تقاس بقدرتها على التحاور، وإنتاج معرفة مشتركة.
ويبقى السؤال الأهم: ماذا تضيف هذه البحوث إلى المعرفة؟ تتمثل إحدى القيم المضافة في اجتماع ثلاثة عناصر. أولها الصلة الراسخة باللغة والأدب والتاريخ والتراث، وثانيها الانفتاح على قضايا الإنسان المعاصر، وثالثها استخدام أدوات بحثية حديثة في عدد من المجالات. وهذا الاجتماع يمنح الكلية فرصة لبناء هوية معرفية تنطلق من البيئة الأردنية والعربية، لتخاطب المجال العلمي الأوسع.
وهذه فرصة تستحق البناء عليها، فالعلوم الإنسانية لا تقاس بقدرتها على محاكاة العلوم الطبيعية في أدواتها، وإنما تقاس بقدرتها على إنتاج معرفة تفسر الإنسان في سياقاته المختلفة، وتقرأ تحولات المجتمع، وتحفظ الذاكرة، وتفهم اللغة والثقافة، وتفسر العلاقة بين الإنسان والمكان. وعليه، فإن البحث الإنساني يؤدي وظيفة تتجاوز إنتاج المعرفة، إذ إنه يسهم في تكوين الوعي بالمجتمع، ويساعد على فهم تحولاته، ويمنح الحاضر قدرة أكبر على قراءة ماضيه، واستشراف مستقبله.
وتدل المؤشرات المتاحة على أن الكلية قطعت شوطًا مهمًا في تعزيز حضور البحث العلمي. فقد اتسع الإنتاج، وتعزز الحضور في الدوريات المفهرسة دوليًا، وظهرت بحوث في مستويات تصنيف متقدمة، وشارك أعضاء هيئة التدريس في مؤتمرات وندوات علمية، وفي هيئات تحرير ولجان علمية، وامتدت المشاركة إلى مشروعات بحثية ممولة.
وشهد العام الجامعي 2025–2026 كذلك انعقاد 42 فعالية علمية وثقافية وأكاديمية، بالتشارك مع مؤسسات وطنية وعربية ودولية. وهذا يؤكد أن الحركة العلمية في الكلية لا تنحصر في النشر، بل تمتد إلى الحوار العلمي، وتبادل الخبرات، وبناء البيئة الأكاديمية التي ينمو فيها البحث.
ومع ذلك، تقتضي الموضوعية ألا تُقرأ هذه المؤشرات باعتبارها إعلانًا عن اكتمال الرؤية البحثية. فالرؤية ليست محطة يصل إليها العمل ثم يتوقف. إنها أفق يتجدد كلما ارتفعت قدرة المؤسسة على إنتاج المعرفة وتداولها والتأثير فيها. وعليه، يمكن القول إن العام الجامعي 2025–2026 يمثل مرحلة تقدم مهمة في مسار تحقيق الرؤية البحثية للكلية. لكنه ليس محطة نهائية. فالحضور في Scopus مهم، لكنه لا يساوي التأثير العلمي، والنشر الدولي مهم، لكنه لا يكفي لبناء حضور دولي راسخ. فالحضور بمعناه الأوسع يرتبط بتداول البحث والاستشهاد به، ويرتبط كذلك باستدامة المشروعات، وبحجم التمويل التنافسي، وبقوة الشراكات، وبوجود فرق بحثية قادرة على الاستمرار، وبقدرة البحث على إنتاج معرفة نافعة للمجتمع والمؤسسات المختلفة.
إن التحدي في المرحلة المقبلة يتمثل في تحويل هذا الإنتاج العلمي إلى منظومة بحثية مستدامة. ويتطلب ذلك الانتقال التدريجي من البحث الفردي إلى الفرق البحثية، ومشروعات متعددة السنوات، ومشاركة أوسع في المشاريع التنافسية، ويحتاج إلى شراكات منتظمة مع الجامعات ومراكز البحث خارج الأردن. والأهم أن تتحول الشراكة من تعاون عابر إلى تعاون منتج، يقود إلى بحث مشترك، أو مشروع ممول، أو نشر مشترك، أو قاعدة بيانات، أو مختبر بحثي، أو شبكة علمية دائمة.
إن استدامة البحث تقتضي عناية أكبر بالباحثين الشباب، فالمؤسسة البحثية لا تُبنى بإنجازات جيل واحد، فهي تُبنى بقدرتها على نقل الخبرة، وبناء القدرات، وتكوين جيل جديد يمتلك أدوات البحث، ويعرف كيف يحول الفكرة إلى مشروع، والمشروع إلى معرفة، والمعرفة إلى تأثير. ومن المفيد كذلك أن تتجه الكلية تدريجيًا إلى تحديد عدد من الأولويات البحثية الكبرى، بهدف بناء بؤر بحثية واضحة، يمكن أن تتشكل حولها فرق ومشروعات وشراكات.
ويمكن أن تتصل هذه الأولويات باللغة العربية في العصر الرقمي، وبالدراسات التراثية والحضارية، وبالتاريخ والمكان والذاكرة، وبالتحولات الاجتماعية والثقافية، وبالجغرافيا التطبيقية والاستدامة، وبالذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي في العلوم الإنسانية، وبقضايا الإنسان والمجتمع في البيئة الأردنية والعربية. والغاية من هذه الأولويات أن تتعرف الكلية على المجالات التي يمكن أن تضيف فيها، وأن يتعرف إليها الآخرون من خلالها.
وربما تكون النقلة الأهم في المرحلة المقبلة هي الانتقال من سؤال: أين ننشر؟ إلى سؤال أوسع: ما الذي نريد أن نكون معروفين به؟ فالنشر وسيلة أساسية لبناء الحضور العلمي، لكنه لا يصنع وحده هوية بحثية. والهوية تتشكل حين تتكرر الأسئلة، وتتراكم النتائج، وتتكون فرق الباحثين، وتتسع الشراكات، ويصبح للكلية إسهام يمكن تمييزه في مجال أو أكثر. وعلى هذا، فالطموح أن يتحول هذا الحضور البحثي إلى حضور معرفي، وأن تصبح عدد من مجالات البحث في الكلية معروفة بتراكمها واستمراريتها وجودتها، وأن تنتقل الكلية من إنتاج بحوث منفردة إلى بناء مسارات بحثية مستدامة ومتطورة.
ويقدم العام الجامعي 2025–2026 صورة إيجابية عن النشاط البحثي في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة آل البيت. فقد شهد إنتاجًا علميًا واسعًا، وتعزز الحضور في الدوريات المفهرسة دوليًا، وتوسعت المشاركة لتشمل مشروعات وأنشطة علمية، واتسعت مجالات البحث وأدواته. والقيمة الأعمق لهذه الحصيلة أنها تكشف عن حركة قابلة للبناء عليها.
لقد اتسعت موضوعات البحث. وتنوعت أدواته. وبرز حضور دولي أوضح في بعض مجالاته. وبدأت إمكانات التفاعل بين التخصصات تتشكل. وهذه كلها مؤشرات مهمة. لكنها تضع في الوقت نفسه مسؤولية أكبر على المرحلة المقبلة. والمطلوب أن تتحول الحركة إلى مسار، وأن يتحول المسار إلى هوية، وأن تتحول الهوية إلى تأثير. وهنا يبدأ التحدي الحقيقي: كيف تتحول الحيوية البحثية إلى قوة بحثية؟ وكيف تتحول القوة إلى حضور علمي مستدام؟ وكيف يصبح الحضور أثرًا علميًا ومجتمعيًا؟
هذه أسئلة لا تخص عامًا جامعيًا واحدًا، إنها أسئلة المرحلة المقبلة كلها؛ فكلية الآداب والعلوم الإنسانية لا يقتصر دورها على نقل المعرفة، إنها تسهم في إنتاجها، وتقرأ الإنسان، وتفهم المجتمع، وتصون الذاكرة، وتفسر التحول، وتقرأ المكان، وتنفتح على المستقبل. وعندما يصبح البحث العلمي جزءًا راسخًا من هذه الرؤية، تصبح هذه الحصيلة البحثية في كل عام علامات على طريق أطول، تتشكل فيه هوية الكلية البحثية تدريجيًا، ويتسع فيها أثرها العلمي، ويصبح إسهامها في إنتاج المعرفة أكثر وضوحًا ورسوخًا.
ذلك هو الطموح الذي ينبغي أن يُوجَّه المرحلة المقبلة: أن تنتقل الكلية من حيوية البحث إلى قوة البحث، ومن قوة البحث إلى تأثيره، ومن تأثيره إلى حضور علمي راسخ متزن